محمد طاهر الكردي
97
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
فلما قدم النعمان الحيرة وفي نفسه ما فيها مما سمع من كسرى من تنقص العرب وتهجين أمرهم ، بعث إلى أكثم بن صيفي ، وحاجب بن زرارة التميميين ، وإلى الحارث بن ظالم ، وقيس بن مسعود البكريين ، وإلى خالد بن جعفر ، وعلقمة بن علاثة ، وعامر بن الطفيل العامريين ، وإلى عمرو بن الشريد السلمي ، وعمرو بن معد يكرب الزبيدي ، والحارث بن ظالم المري . فلما قدموا عليه في الخورنق قال لهم : قد عرفتم هذه الأعاجم ، وقرب جوار العرب منها ، وقد سمعت من كسرى مقالات ، تخوفت أن يكون لها غور ، أو يكون إنما أظهرها لأمر أراد أن يتخذ به العرب خولا كبعض طماطمته في تأديتهم الخراج إليه ، كما يفعل بملوك الأمم الذين حوله - فاقتص عليهم مقالات كسرى ، وما رد عليه فقالوا : أيها الملك وفقك اللّه ما أحسن ما رددت ، وأبلغ ما حججته ، فمرنا بأمرك ، وادعنا إلى ما شئت . قال : إنما أنا رجل منكم ، وإنما ملكت وعززت بمكانكم وما يتخوف من ناحيتكم ، وليس شيء أحب مما سدد اللّه به أمركم ، وأصلح به شأنكم وأدام به عزكم - والرأي أن تسيروا بجماعتكم أيها الرهط ، وتنطلقوا إلى كسرى ، فإذا دخلتم : نطق كل رجل منكم بما حضره ، ليعلم أن العرب على غير ما ظن ، أو حدثته نفسه ، ولا ينطق رجل منكم بما يغضبه ، فإنه ملك عظيم السلطان ، كثير الأعوان ، مترف معجب بنفسه ، ولا تنخذلوا له انخذال الخاضع الذليل ، وليكن أمر بين ذلك ، تظهر به دماثة حلومكم ، وفضل منزلتكم ، وعظيم أخطاركم ، وليكن أول من يبدأ منكم بالكلام ( أكثم بن صيفي ) ثم تتابعوا على الأمر من منازلكم التي وضعتكم بها ، فإنما دعاني إلى التقدمة إليكم علمي بميل كل رجل منكم إلى التقدم قبل صاحبه ، فلا يكونن ذلك منكم فيجد في آدابكم مطعنا ، فإنه ملك مترف ، وقادر متسلط . ثم دعا لهم بما في خزائنه من طرائف حلل الملوك ، وأعطى كل رجل منهم حلة ، وعممه عمامة ، وختمه بياقوتة ، وأمر لكل رجل منهم بنجيبة مهرية ، وفرس نجيبة . وكتب معهم كتابا هذا نصه : أما بعد ، فإن الملك ألقى إلي من أمر العرب ما قد علم ، وأجبته بما قد فهم مما أحببت أن يكون منه على علم ، ولا يتلجلج في نفسه أن أمة من الأمم التي احتجزت دونه بمملكتها ، وحمت ما يليها بفضل قوتها ، تبلغها من الأمور التي